السبت، 9 مايو، 2009

إلى الفردوس الأعلى يا قاضي القضاة


لقد كان لي الشرف أن أعمل مع العلامة الشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله تعالى حيث كنت نائبا له و هو إذاك رئيس للمحكمة العليا وقد بهرني بعلمه الموسوعي و تواضعه الجم و أخلاقه السمحة و هديه القويم.

فجليسه بقدر ما يتعلم من علمه الغزير يتعلم في نفس الوقت من أخلاقه و حسن سمته و هديه الذي يمثل بحق أخلاق العلماء من الرعيل الأول
أما عن علمه فهو من العلماء الراسخين في العلم في جميع فروعه وتخصصاته و على سبيل المثال لا الحصر فهو من القلائل الذين يرجع إليهم في علم التوحيد و ما يتعلق به و لذلك نظم عقائد خليل ضمن نظمه لمختصر خليل بعد ما تناساه طلبة العلم و هو من علماء القرءان و التالين له و العارفين بأحكامه ناسخة ومنسوخة و أسباب نزوله و محكمه و متشابهه و هو فقيه أصولي متمكن
أما علوم العربية فحدث عنه و لا حرج فهو نحوي صيرفي لغوي و أديب وشاعر لا يشق له غبار راوية لأشعار العرب عارفا بأنساب العرب و أيامها و خاصة ما يتعلق بقريش و العدنانيين عامة لما حباهم الله به من آصرة القربى بالنبي صلى الله عليه وسلم أضف إلى ذلك كل ما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه الكرام.
فهو عندما يذكر –في ثنايا حديثه الشيق- بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلسل نسبه إلى حيث يوصله إلى أصل شجرة نسب العدنانيين أو القحطانيين و بالجملة فثقافته الواسعة المتكاملة يعجز التعبير عن مداها و شموليتها.
و لي مع سماحته ذكريات نذكر بعضا منها
ففي فترة لقائي الأول معه كنت شابا لم أبلغ الثلاثين من العمر و قدر لي أنني بعد التعليم المحظري كنت أرغب في الدراسة في بعض الجامعات و أثناء ذلك شاركت في امتحان مباشر لاكتتاب القضاة و نجحت فيه و عملت لعدة سنوات قاضيا في بعض المحاكم (محاكم المقاطعات) و في تلك السنوات التقيت بالشيخ محمد سالم فقال لي: أنت شاب في مقتبل العمر و لا يناسبك أن تبقى محصورا في عمل المحاكم في المقاطعات و كان ذلك قبل توحيد أسلاك القضاء و تمثل بقول الشاعر
ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام
و عملت بمشورته التي تتفق مع ما كنت أتوق إليه من قبل
و أتذكر في الفترة التي تم فيها تطبيق الشريعة الإسلامية بالنسبة لجميع القوانين في البلاد أن ترتب على ذلك تشكيل لجنة من العلماء و القضاة لمراجعة النصوص القانونية و تشرفت أن كنت مقررا لهذه اللجنة و عند بداية عملنا قال الشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله تعالى: أيها السادة عليكم أن تختاروا بين طريقتين للعمل إما:
تقنين الفقه
أو تفقيه القانون
و هذا الكلام نموذج لبلاغته غير المتكلفة بمعنى إما أن نختار بين
تقنين الفقه أي وضع نصوص قانونية مصدرها الفقه أو تفقيه القانون و يعني ذلك مراجعة كل القوانين ذات الصلة و ملاءمتها مع الفقه و تنقيتها من كل المسائل التي تنافي الشرع الإسلامي و اخترنا هذه الطريقة التي هي تفقيه القانون.
- و من ذكرياتي معه أنني كنت معه في مكتبه ودخل علينا بعض كبار الوجهاء من حيث النسب والحسب و كانت مهمته الاحتجاج على حكم صدر ضده في المحكمة العليا و أذكر أنني من أصدر هذا الحكم فقتال له الشيخ محمد سالم على رسلك ليكن في علمك أننا هنا نصدر الأحكام بتجرد كامل خال من الخوف و الطمع.
- و من الطرائف التي أتذكرها عن الفقيد رحمه الله أنني في يوم من الأيام و أنا إذ ذاك نائبه الأول في المحكمة العليا كنت أريد مراجعته في شأن من شؤون العمل فقيل لي أن معه الأستاذ محمد شين ولد محمادو رحمه الله تعالى و هو إذ ذاك عميد المحامين و كررت السؤال هل فرغ السيد الرئيس من مقابلته فكان الجواب دائما بالنفي
و لما طال الوقت دخلت عليه في المكتب و كنت أسائل نفسي ما هو موضوع الحديث بين رئيس المحكمة العليا و نقيب المحامين و وجدت الجواب في حديثهما لما دخلت
فإذا بالشيخ محمد سالم طيلة الوقت يسأل ذ/ محمد شين عن بعض غرائب الأدب الشعبي و روائعه مثل هل تحفظ أم أرثم ؟ هل تحفظ الرسم ؟ ...إلخ و في كل ذلك يكون الشيخ محمد سالم هو السائل و المجيب في نفس الوقت فتعجبت من سعة ثقافة هذا البحر الذي لا ساحل له
و من المعروف أن الشيخ محمد سالم يجيد نظم الشعر الشعبي (لغن) كما يجيد الشعر العربي دون تمييز.
و لما عين وزيرا للثقافة قلت له وقت وداعه: قد تلاحظون أني كنت أعاملكم دون تكلف و لا تحفظ و مرد ذلك إلى عظيم ثقتي فيكم و أنكم عندي أكبر من ذلك كله فأنتم بالنسبة لي مثل ما قال القائل لمعاوية رضي الله عنه:
نميل على جوانبه كأنا نميل إذا نميل على أبينا
و من المعروف عن الشيخ محمد سالم تمكنه من قرض الشعر بجميع بحوره
و لذلك فإنه زمن دراسته للقانون بتونس كان ينظم جميع المحاضرات التي تقدم له و لزملائه.
فقد نظم مبادئ القانون الدولي و القانون الإداري
و قد اطلعت على عدد من مجلة القانون الإداري التي تصدر في مصر و تم في هذا العدد نشر نظمه في القانون الإداري و علق علية الدكتور المصري المشهور الطماوي المتخصص في القانون الإداري
و مما قال: أردت أن أطلع كل الإخوة العرب على مدى تمكن إخوانهم في موريتانيا من تطويع اللغة العربية و الإتيان فيها نظما بما يعجز غيرهم عن الإتيان به نثرا إهـ.
و هذا قليل من كثير
رحم الله قاضي الفقهاء و فقيه القضاة العلامة محمد سالم ولد عدود و أسكنه فسيح جناته
و ألهمنا جميعا حسن العزاء فيه فمصيبة تعم المسلمين عامة و الموريتانيين خاصة
فقد ورد في كتاب الاستذكار في فقه علاء الأمصار أن التعزية تشمل كل من له صلة بالميت صغيرا كان أو كبيرا ذكرا كان أو أنثى.
و أبقى الله البركة خالدة تالدة في بيته الكريم بيت العلم والأخلاق و كل الشيم الفاضلة
و إنا لله و أنا إليه راجعون

عبد الله ابن على سالم

ليست هناك تعليقات:

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المتابعون